الشيخ الطبرسي

144

تفسير مجمع البيان

فقال : ( قل ) يا محمد ( أوحي إلي ) إنما ذكره على لفظ ما لم يسم فاعله ، تفخيما وتعظيما ، والله سبحانه أوحى إليه ، وأنزل الملك عليه ( أنه استمع نفر من الجن ) أي استمع القرآن طائفة من الجن ، وهم جيل رقاق الأجسام خفيفة على صورة مخصوصة ، بخلاف صورة الانسان والملائكة ، فإن الملك مخلوق من النور ، والإنس من الطين ، والجن من النار . ( فقالوا ) أي قالت الجن بعضها لبعض ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) والعجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه ، وخروجه عن العادة في مثله ، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام ، وخفي سببه عن الأنام ، كان عجبا لا محالة . وأيضا فإنه مباين لكلام الخلق في المعنى ، والفصاحة ، والنظام ، لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ، وقد تضمن ؟ أخبار الأولين والآخرين ، وما كان وما يكون ، أجراه الله على يد رجل أمي من قوم أميين ، فاستعظموه وسموه عجبا . ( يهدي إلى الرشد ) أي يدل على الهدى ، ويدعو إليه ، والرشد ضد الضلال ( فآمنا به ) أي صدقنا بأنه من عند الله ( ولن نشرك ) فيما بعد ( بربنا أحدا ) فنوجه العبادة إليه ، بل نخلص العبادة لله تعالى . والمعنى : إنا قد بدأنا بأنفسنا ، فقبلنا الرشد والحق ، وتركنا الشرك ، واعتقدنا التوحيد . وفي هذا دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس ، وعلى أن الجن عقلاء مخاطبون ، وبلغات العرب عارفون ، وعلى أنهم يميزون بين المعجز وغير المعجز ، وأنهم دعوا قومهم إلى الاسلام ، وأخبروهم بإعجاز القرآن ، وأنه كلام الله تعالى لأن كلام العباد لا يتعجب منه وروى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن ، وما رآهم . انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء . فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب . قالوا : ما ذاك إلا من شئ حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها . فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بنخل ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر . فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء . فرجعوا إلى قومهم وقالوا : ( إنا